ابن العربي

322

أحكام القرآن

اعتبار إيناس الرشد ؛ ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال الراشد فاعرفه ، وركبه عليه ، واجتنب التحكّم الذي لا دليل عليه . المسألة السادسة - قوله تعالى : فَادْفَعُوا . دفع المال إلى اليتيم يكون بوجهين : أحدهما - إيناس الرشد . والثاني بلوغ الحلم ؛ فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال إليه ، كذلك نص الآية ؛ وهي رواية ابن القاسم وأشهب وابن وهب عن مالك في الآية أنه إذا احتلم الغلام أو حاضت الجارية ولم يؤنس منه الرشد فإنه لا يدفع إليه ماله ، ولا يجوز له فيه بيع ولا شراء ولا هبة ولا عتق حتى يؤنس منه الرشد ، ولو فعل شيئا من ذلك قبل أن يدفع إليه ماله ثم دفع إليه ماله لم ينفذ عليه شيء منه . المسألة السابعة - حقيقة الرشد : فيه ثلاثة أقوال : الأول - صلاح الدين والدنيا ، والطاعة للّه ، وضبط المال ؛ وبه قال الحسن والشافعي . الثاني - إصلاح الدنيا والمعرفة بوجوه أخذ المال والإعطاء والحفظ له عن التبذير ؛ قاله مالك . الثالث - بلوغ خمس وعشرين سنة ؛ قاله أبو حنيفة . وعوّل الشافعي على أنه لا يوثق على دينه فكيف يؤتمن على ماله ، كما أنّ الفاسق لما لم يوثق على صدق مقالته لم تجز شهادته . قلنا له : العيان يردّ هذا ، فإنا نشاهد المتهتّك في المعاصي حافظا لماله ، فإنّ غرض الحفظين مختلف ؛ أمّا غرض الدّين فخوف اللّه سبحانه ، وأما غرض الدنيا فخوف فوات الحوائج والمقاصد وحرمان اللذات التي تنال به ؛ ويخالف هذا الفاسق ، فإنّ قبول الشهادة مرتبة والفاسق محطوط المنزلة شرعا . وعوّل أبو حنيفة على أن من بلغ خمسا وعشرين سنة صلح أن يكون جدّا فيقبح أن يحجر عليه في ماله . قلنا : هذا ضعيف لأنه إذا كان جدّا ولم يكن ذا جدّ « 1 » فما ذا ينفعه جد النسب وجدّ

--> ( 1 ) الجد هنا : الحظ والبخت .